Minggu, 26 Desember 2010

ملاحظات حول تعليم اللغة العربية في المرحلة الثانوية

تجمع أغلب التحليلات التي تناولت مسألة اللغة العربية في مراحل التعليم المختلفة على ضعف المستوى اللغوي للمتعلمين، وعلى وجود ثغرات وعيوب في عملية تعليم هذه اللغة. واختلفت التحليلات بعد ذلك في كشف أسباب الضعف وفي تحليل مظاهره وفي اقتراح أساليب معالجته.
ولست بصدد إعادة ما قيل في هذا الشأن في مؤتمرات وندوات عقدت أو في مقالات وكتب دبجت، وإنما سأحاول أن أدلي ببعض الملاحظات الخاصة بتعليم اللغة العربية بالمرحلة الثانوية، مركزا في التمثيل على نموذج المغرب وإن أمكن تعميم الخلاصات لتنطبق على غيره مما يشبهه في الوضعية.
فقد قال الدكتور شكري فيصل متحدثا عن تدريس اللغة العربية في الوطن العربي : "من المؤسف أن يكون واقع شبابنا الذي يتخرج من الثانويات- وهل علي من حرج أن أقول : والذي يتخرج من الجامعات ـ أنه لا يتقن لغة ما ـ حتى العربية أحيانا- لقراءتها قراءة تدبر.. ولذلك فهو لا يقرأ... وإذا قرأ فهو لا يفهم، وإذا فهم فهو لا يعقل، وإذا عقل فهو لا يتفاعل.. لأن الشرط الأول في تحقيق التفاعل هو امتلاك اللغة"([1]) وعبر عن ذلك بصورة أخرى لغوي كبير هو د. نهاد الموسى حيث قال : "إن الطالب العربي المتخرج في المدرسة بل المتخرج في الجامعة لا يقرأ كما ينبغي أن يقرأ(...) ولا يكتب كما ينبغي أن يكتب، فهو كثير الخطأ في الإملاء، كثير الخطأ في النحو (...) وهو كذلك لا يسمع كما ينبغي له أن يستمع...([2]).
فالمشكلة، إذن، عامة في الوطن العربي، ومسألة ضعف التلاميذ في الأداء اللغوي المنطوق والمكتوب مسألة مقررة لا خلاف فيها.
وإننا إذ نركز على المرحلة الثانوية فلأهمية هذه المرحلة التعليمية، فهي مرحلة وسيطة بين التعليم الابتدائي الإعدادي وبين التعليم الجامعي العالي. ولذلك تلقى عليها مهام وتبعات جسام ينبغي للمشتغلين بالتربية والتعليم الانتباه إليها والعناية بها. فهي تقوم بوظائف ثلاث مهمة وحاسمة ومتكاملة في آن :
1. تصحيح وتقويم ما يمكن أن يحصل في المرحلة السابقة، أي تحسين مستوى التلميذ ومعالجة كل نقص أو ضعف ترتب عن المرحلة الابتدائية الإعدادية.
2. تمكين الطالب من تطوير كفاءته وتنمية مهاراته اللغوية والعلمية ارتقاء بما سبق أن تعلمه في المرحلة السابقة.
3. إعداد التلميذ لمواجهة التعليم الجامعي العالي بالحد المطلوب من الإمكانات والملكات التي تمكنه من تعميق معارفه وتطويرها في الجامعة.
وبالنظر إلى هذه الوظائف يكون التعليم الثانوي حلقة جوهرية من حلقات التعليم، وأي ضعف فيها أو تقصير أو سوء تدبير سينعكس انعكاسا سلبيا ـ كما هو واقع الحال اليوم ـ على التعليم الجامعي وبالتالي على تكوين الأطر المتوسطة والعليا في البلاد. وهذا يعني أن أي خلل في هذه المرحلة يؤثر سلبا في مستقبل النمو الاقتصادي والعلمي للبلاد.
وإذا كانت العناية بالمرحلة الثانوية بصورة عامة مسألة أكيدة، فإن العناية باللغة العربية فيها آكد. ففي هذه المرحلة يدخل الطفل مرحلة عمرية حرجة إما أن يتقن فيها اللغة إتقانا جيدا يمكن البناء عليه، وإما أن يكتسب عادات سيئة ويسقط في ردغة الضعف والخطأ فلا يخرج منها بقية حياته إلا بجهد ومعاناة وصبر.
ولاشك أن تطوير اللغة العربية في هذه المرحلة من الضروريات الحضارية التي يفرضها الحفاظ على الهوية الوطنية والقومية والرفع من المستوى العلمي والتعليمي للمواطن. فقد أكد الميثاق الوطني للتربية والتكوين بالمغرب مثلا على أن "اللغة العربية، بمقتضى دستور المملكة، هي اللغة الرسمية للبلاد... وأن تعزيزها واستعمالها في مختلف مجالات العلم والحياة كان ولا يزال وسيبقى طموحا وطنيا "(المادة 110)، كما قرر أيضا أن "يتم تجديد تعليم اللغة العربية وتقويته، مع جعله إلزاميا لكل الأطفال المغاربة، في كل المؤسسات التربوية العاملة بالمغرب." (المادة 111).
كما أن تطوير اللغة العربية تستدعيه ضرورات معرفية استراتيجية تتمثل في مواجهة السيل المعرفي الجارف الذي تقذفنا به الأمم الأخرى بلغاتها. فإذا لم نطور لغتنا لاستيعاب هذا السيل المعرفي وتجاوزه بلغة عربية قويمة وقوية، فإننا سنتحطم وننهزم.
وبين أن عملية تطوير اللغة العربية في المرحلة الثانوية تتطلب رصدا للظواهر السلبية وسبرا لأسباب الضعف وتحديدا للأهداف المرجوة. وحيث إن الضعف كما أشرنا سابقا ضعف يكاد يكون عاما يمس قدرة التلاميذ على الأداء اللغوي السليم نطقا وكتابة وفهما، فإن أسباب ذلك عديدة ذكر بعضها الدارسون ومنها الحصص الدراسية المخصصة للغة العربية، وعدم العناية بالمستوى اللغوي القويم في الدروس التي تقدم باللغة العربية في مواد علمية مختلفة، وظاهرة الازدواج اللغوي بين العامية والفصيحة، وبين العربية واللغات الأخرى، حيث يكاد التعامل بالعربية الفصيحة يكون حبيس جدران القسم الدراسي، مما يتيح للعامية وللغات الأخرى السيطرة على ذهن التلميذ ولسانه خارج القسم في البيت والشارع والساحة، كما أشار بعض الدارسين أيضا إلى ضعف المدرسين وعدم امتلاكهم هم أنفسهم لناصية اللغة، وعدم ملاءمة الكتاب المدرسي من الناحية التربوية، وغير ذلك من الأسباب والعلل([3]) .
ولمواجهة هذا الضعف وتلك العلل ينبغي تحديد الأهداف العامة المرجوة من تطوير تعليم اللغة العربية بالمرحلة الثانوية، ويمكن جردها كالآتي :
1. دعم الملكة اللغوية للتلميذ وقدرته على فهم اللغة واستعمالها لفظا وبناء وأسلوبا.
2. تفتيح القدرة الإبداعية للتلميذ بربطه بالنماذج ذات القيمة الفنية العالية في اللغة العربية.
3. تطوير القدرة التواصلية للتلميذ بتمكينه من أسباب الاستعمال السليم للغة في مواقف تخاطبية مختلفة، وإقداره على الإنشاء اللغوي السليم والتعبير الأدبي القويم.
4. شحذ قدرة الفهم عند التلميذ باقداره على إدراك المعاني والأفكار وتحديدها والتصرف فيها وتلخيصها وإعادة إنتاجها.
ولتحقيق هذه الأهداف العامة ينبغي تبني أساليب ووسائل تربوية وتعليمية ملائمة وناجعة. وغير خفي أن هذه المهمة من مهام التربويين المختصين من جهة، واللغويين وأخص منهم المشتغلين باللغويات التطبيقية وهم المعنيون بتدريس اللغات وأساليبها وتقويمها. وقد نعرض فيما سيتلو من حديث، صراحة أو كناية، إلى بعض هذه الوسائل عند تقويمنا لعيوب تدريس اللغة العربية في المرحلة الثانوية.
I. عيوب الدرس اللغوي بالمرحلة الثانوية (نموذج المغرب) :
سنتناول هذه العيوب التي تبدت لنا من خلال الإطلاع على المقررات الدراسية لهذه المرحلة، ومن خلال ما لاحظناه على الطلبة الذين درسناهم في الجامعة وهم منتوج المرحلة الثانوية. يمكننا أن نقسم هذه العيوب إلى عيوب تتصل بالكتاب المدرسي وعيوب تتعلق بطريقة التدريس.
1 . عيوب الكتاب المدرسي :
يتضمن الكتاب المدرسي المقرر في المرحلة الثانوية بسنواتها الثلاث عيوبا عديدة تتعلق بجانب تدريس العربية ويمكن تقسيمها إلى نوعين من العيوب، عيوب في عملية عرض المادة اللغوية، وعيوب في عملية بناء المادة اللغوية.
1.1. عيوب عرض المادة اللغوية :
يمكن أن نرصد في هذا الجانب ثلاثة عيوب أساسية :
1.1.1. الانشغال بالتنظير اللساني :
يبدو واضحا لمتصفح المقررات الدراسية للمرحلة الثانوية وجود خلط واضح في أذهان واضعيها بين اللغة وعلم اللغة، فقد ركزوا على تعليم علم اللغة لا اللغة، وهما، كما هو معلوم، أمران مختلفان. وقد تبين ذلك في طغيان المعلومات النظرية خلال استعراض المادة اللغوية بهذه المقررات. وبذلك غاب الهدف الأساس من تعليم اللغة العربية في هذه المرحلة وهو تنمية المهارات اللغوية لدى التلميذ. فما يقدم للتلميذ هو مجموعة من المعطيات النظرية الصوتية والتركيبية والدلالية التي لا تؤدي بالضرورة إلى تحسين مستواه في الأداء اللغوي، فغير خاف "أن الحديث عن بنية اللغة من حيث هي أصوات وأبنية المفردات وأنماط الجمل ومعاني المفردات يؤدي في أحسن الأحوال إلى معرفة علمية باللغة، ولكنه لا يؤدي بالضرورة إلى مهارات لغوية"([4]).
ومن هنا ينبغي الاستفادة من تمييز بعض علماء اللغة التطبيقيين بين النحو العلمي والنحو التربوي ومنطلق هذا التمييز، كما يقول د. محمود فهمي حجازي : "أن النقل المباشر لنتائج البحث اللغوي أو لمناهجه إلى تعليم اللغات يعد من الأخطاء، وذلك لأن النحو العلمي يقوم على نظرية لغوية تنشد الدقة في الوصف اللغوي وتتخذ لتحقيق هذا الهدف أدق المناهج. النحو التربوي يركز على ما يحتاجه الدارس، يختار المادة المناسبة من مجموع ما يقدمه النحو العلمي، ويعدلها طبقا لأهداف التعلم وظروف العملية التعليمية. النحو التعليمي يقوم على أسس لغوية ونفسية وتربوية، وليس مجرد تلخيص للنحو العلمي"([5]).
وبعبارة أخرى فإن "النحو العلمي يحصر أنماط الجمل النحوية في لغة ما ويقدم لها وصفا وتفسيرا، والنحو التربوي يحاول أن يطور كفاءة المتكلم في فهم الجمل وإنتاجها"(6).
وبناء على هذا الأمر فإن تعليم اللغة في هذه المرحلة ينبغي أن يركز على المهارات اللغوية لدى التلميذ وخصوصا مهارات الفهم والحديث والقراءة والكتابة بصورة ملائمة تبتعد عن التنظير، بحيث يستطيع التلميذ أن يمارس اللغة العربية بيسر وسهولة. ولا يتلقى المعلومات النظرية إلا في مرحلة لاحقة في الجامعة لكي يتمكن أن يربط بين المهارة العملية والاستعمالية التي اكتسبها في المرحلة الثانوية وبين الصيغ النظرية والنحوية التي يتلقاها في التعليم العالي.
2.1.1. الوقوع في التهجين النظري :
يترتب على العيب السابق أي الانشغال بالتنظير عيب آخر أملاه واقع الدرس اللغوي العربي الحديث. فالدرس اللغوي الحديث يتصف بتلونه وتنوعه. فبعضه تقليدي يستعيد التراث اللغوي والنحوي القديم، وبعضه تحديثي يستعير نماذج اللغويات الأجنبية المختلفة. وهذه النماذج متباينة في أسسها وطرائقها وصيغها.
وقد انطبع هذا كله على المقررات الدراسية بالمرحلة الثانوية إذ نجد عرضا للمادة اللغوية يتوسل بالنحو التقليدي وبالنظريات اللغوية الحديثة بطريقة هجينة تخلط القديم بالحديث خلطا، وتجمع ضروبا من النظريات اللغوية الحديثة أبرزها النماذج البنيوية والتوليدية والوظيفية. ولاشك أن هذا الخلط والجمع يؤدي إلى بلبلة ذهن التلميذ وتشويش قدرته الاستيعابية. وهذا كله ناتج عن بحث واضعي هذه المقررات عن تحديث مزيف دون مراعاة للأسس التربوية والنفسية الضرورية لتعليم اللغة العربية. ويزداد الأمر خطورة عندما يسئ واضع هذه المقررات فهم بعض النظريات الحديثة ويسئ تطبيقها على المادة اللغوية القديمة، كما هو الأمر في تناول المقرر للبلاغة والأسلوب. أضف إلى ذلك أن هذا التهجين يكاد يكون اعتباطيا لا أساس له في بعض الأحيان، إذ يبدو أن المكلفين بإعداد هذه المقررات كانوا متعددين، فكان كل واحد منهم يكتب في الموضوع الذي كلف به انطلاقا من انتمائه إلى مدرسة لغوية أو مذهب لساني، وعندما لا يجد لهذه المدارس أو المذاهب رأيا في موضوع من الموضوعات فإنه حينئذ يرجع إلى المراجع التقليدية لينقل منها.
1.1.3. القصد إلى التعقيد العباري :
يترتب عن العيبين السابقين عيب ثالث لا يقل عنهما خطورة وهو التعقيد، إذ تقصف عقول التلاميذ بوابل من المصطلحات والمفاهيم اللسانية التي لم يسمعوا بها من قبل والمجتزأة من أنساق نظرية بالغة التعقيد لا تتناسب مع مستواهم، مما يقلل إمكانيات فهمهم ويعطل بالتالي قدرتهم الإنتاجية. فمثلا هذه القاعدة : "النزع يؤدي إلى تقليص عدد الحدود ـ الموضوعات للعامل، والترقية تؤدي إلى توسيعها.([7]) " واستعمال المحمولات الفعلية بدلا عن الفعل الذي يفهمه التلميذ([8]). أو قول الكتاب "إنك ترى أن العامل اللفظي أي المحمول "حزن" في الجملة (أ) لازم أكتفي بحد ـ موضوع واحد هو "بغداد" الذي يقوم بالوظيفة الدلالية "منفذ" والوظيفة التركيبية "فاعل". وإذا قارنت بين الجملة الأصلية(أ) والجملة المشتقة منها (ب) فإنك تلاحظ أن بنية المحمول "حزن" قد تغيرت من وزن "فعل" إلى وزن "أفعل"... وهذه الزيادة تفيد "الجعل"([9])." أو قوله عند حديثه عن المبني للمجهول : "لقد اعتدنا القول إن الجملتين 4 (ب) و5 (ب) مبنيتان للمجهول، وإن هذا البناء استلزم نزع الموضوع المنفذ والفاعل(...) كما لاحظت أنه بعد نزع الموضوعين "المحب" و"الكلام قد تمت ترقية الموضوعين "النظر" و"الكلام" إلى مكانيهما وأسندت إليهما معا الوظيفة التركيبية: نائب الفاعل، إلا أنهما حافظا على وظيفتيهما الدلاليتين..."([10]).
وقس على هذا مجموعة من الاصطلاحات مثل الانزياح والاستلزام الحواري والقوة الإنجازية والخرق المستمدة من اللسانيات التداولية والأسلوبية والتي تفزع آذان التلاميذ وأذهانهم بدون موجب تربوي مقبول إلا زعم التحديث المزيف لأن تدريس هذه الأمور ينبغي أن يؤجل إلى المرحلة الجامعية.
ولا يحسبن واضعو هذه المقررات أنهم أحسنوا صنعا بفعلتهم هذه، وأنهم يهيئون التلميذ للجامعة ويرفعون مستوى الدرس اللغوي كما قد يتوهمون. بل بالعكس فهم يعوقون فهم التلميذ، ويفشلون العملية التربوية ويعقدون مهمة زميلهم في الجامعة.
2 . عيوب بناء المادة اللغوية :
ويمكن أن نرصد في هذا الشأن، أيضا ثلاثة عيوب :
1.2 إغفال شرط التناسب :
يلاحظ قارئ المقررات اللغوية للسنوات الثلاث المكونة للمرحلة الثانوية غياب تناسب مكونات الدرس اللغوي التي نريد تطوير مهارات وكفاءة التلميذ فيها. إذ يلاحظ مثلا في السنة الأولى تخصيص قسم من الوحدة الأولى لما سموه بالظواهر الصوتية، تلته في الوحدة الثانية ظواهر إيقاعية تتعلق بالعروض، ثم في الوحدة الثالثة ظواهر صرفية ثم ظواهر تركيبية ختمت بمدخل لدراسة البلاغة أو ما سموه ظواهر أسلوبية تستكمل في الوحدة الخامسة بدراسة علم البيان والمعاني والبديع.
أما في السنة الثانية فقد قسمت الوحدات بين الظواهر الإيقاعية العروضية والظواهر الأسلوبية والبلاغية، وغاب التركيب أو النحو غيابا كاملا.
وفي السنة الثالثة عادت الظواهر الصوتية والإيقاعية والأسلوبية وخصص قسم من الوحدة الرابعة للظواهر التركيبية حيث قيل كلام عن الجملة البسيطة والمركبة لن يعي منه التلميذ شيئا نافعا، وختمت بما سموه ظواهر أسلوبية وتداولية تناولت مفهومي الاتساق والانسجام.
ولست بصدد مناقشة الأسس النظرية لما أورده كُتَّاب هذه المقررات، ولا بصدد نقد أوهامهم في كثير من المواضع ولاسيما في مجال الأسلوب والبلاغة والتداول، وإنما يكفي أن أشير هنا إلا أن التناسب بين المكونات اللغوية مفقود تماما فالموضوعات اختيرت اعتباطيا وحجم تناولها في الكتاب اعتباطي أيضا.
2.2. إغفال شرط التدرج :
مما لا يخفى أن التدرج آلية تربوية معلومة، إذ يراعى فيها مستوى فهم المتعلمين وقدراتهم وسنهم وظروف نفسية أخرى كثيرة، ولابد أن تكون المقررات الدراسية ملائمة لمستواهم وإلا فسدت العملية كلها بتقديم ما حقه التأخير وتأخير ما حقه التقديم. وتنمية مهارات التلميذ ترتبط بنوعية "المناهج المقررة وملاءمتها لمستويات الناشئين العقلية وتلبيتها لحاجاتهم العملية"([11]).
وبناء عليه فإن المقرر الدراسي ينبغي أن يكون بنيانا متسلسلا يتكامل صعودا نحو دعم الملكة اللغوية للتلاميذ، بحيث لا يمكن أن تخل بترتيب الكتب الدراسية دون أن تخل بمجمل العملية التربوية. وهذا الشرط يغيب في المقررات المدرسة في المرحلة الثانوية المغربية، إذ يمكنك أن تقدم وتؤخر كما تشاء لأنه لا توجد بنية أساسا يمكنها أن تتأثر بذلك. وقد لاحظ د. نهاد الموسى الملاحظة نفسها في الكتب المقررة بالأردن عندما قال " ولو أن معلما جعل كتاب الصف السادس في موضع كتاب الصف الخامس لما تأثر سير خطة التعليم بما يشعر أن قد عرض خلل أو اضطراب"([12]).
2. 3. إغفال شرط الكفاية :
بما أن اختيار الموضوعات اللغوية المدرسة بالثانوي كان اعتباطيا، فإن الكاتب المدرسي لم يتساءل عن كفاية هذه الموضوعات في تكوين تلميذ قادر على الفهم وعلى الكتابة باللغة العربية والإبداع فيها. كما لم يتساءل عن الرصيد اللغوي الذي يجب أن يحصله التلميذ في هذه المرحلة وكيفية تنميته. فقد سبق أن لاحظ د.عبد العلي الودغيري أن "الطفل المغربي الذي يتعلم العربية قد يجتاز مرحلة التعليم الابتدائي بكاملها ويخرج منها وهو جاهل بالأسماء العربية لأغلبية الزهور والنباتات المألوفة لديه، وكذلك أسماء أغلب الحيوانات والأدوات المنزلية وغيرها مما يتداول في مجالات الحياة العصرية الأخرى بل ربما تجاوز هذه المرحلة وهو عاجز عن تسمية سائر أعضاء جسمه بأسماء عربية فصيحة، بعضهم يلاحظ في هذا الصدد أن ما يحصل عليه متعلم العربية من المفاهيم العصرية أدنى كثيرا مما يحصل عليه مثيله من متعلمي اللغات الأجنبية كالفرنسية مثلا."([13]) وإذا كان التلميذ لم يحصّل رصيدا لغويا من المفردات فهو أيضا لم يحصّل رصيدا لغويا من الأساليب ولا امتلك القدرة على التعبير والإنشاء.
2.1. عيوب تتصل بطريقة التدريس:
مما لا شك فيه أن طريقة التدريس تتأثر بالملاحظات التي أبديناها سابقا عن عرض المادة وبنائها، وهكذا فإن عيوب عرض المادة تنشأ عنها مشكلتان في طريقة التدريس :
أ‌) غلبة الأسلوب التلقيني: فما دامت الدروس قد صيغت صياغة نظرية وهجنت فيها المذاهب والاتجاهات اللسانية وعقدت في صوغها العبارات والمفاهيم، فلن يكون أمام المدرس إلا التلقين ومطالبة التلاميذ بالاستظهار بفهم وبدون فهم.
ب‌) انكماش التطبيقات: لأنه عندما تعطى الأولوية للاستعراض النظري والتفاصح بالمصطلحات الحديثة ذات البريق، سوف تنصرف نفوس المدرسين عن التطبيقات وعن اعتماد تقنيات وأساليب تساعد التلميذ على امتلاك المهارات والملكات الضرورية سواء عن قصد أو غير قصد.
أما عيوب بناء المادة فتنشأ عنها مشكلتان في طريقة التدريس هما :
أ) عدم مسايرة مستوى التلميذ: فما دامت الكتب المقررة لا تتصف بالتناسب ولا بالتدرج ولا بالكفاية فإن طريقة تدريسها لن تراعي مستوى فهمه ولا حاجته الفعلية من الناحية اللغوية، ولن تمكن المدرس من تتبع المستوى الدراسي لتلاميذه رغب في ذلك أم لم يرغب.
ب) خنق القدرات الإبداعية لدى التلميذ : فما دامت الحاجات الفعلية للتلميذ من حيث القدرة على التعبير لم تراع، وحاجاته الجمالية من حيث القدرة على التخييل لم تستثر فسوف يعمل ذلك على كبت القدرة الإبداعية للتلميذ وخنقها رضي بذلك المدرس أو لم يرض.
II. آفاق الدرس اللغوي بالمرحلة الثانوية :
وبعد أن استعرضنا أنواع العيوب وأصنافها وآثارها في ما سبق، فلننصرف الآن إلى تسطير بعض الآفاق التي يمكن ارتيادها لتطوير تدريس اللغة العربية بالمرحلة الثانوية.
وأول ما ينبغي العناية به في ضوء ما سبق هو الكتاب المدرسي وإعداده بالصورة التي تحقق الهدف المنشود. فقد "تأكد اليوم أن يكون هذا العمل ثمرة تمازج اختصاصات بين المعلمين المهرة والباحثين المختصين وهم اللسانيون التطبيقيون، وكم يحسن أن يكونوا ممن اضطلعوا بمهمة التعليم. وهكذا يغدو اللساني التطبيقي مسهما في عملية تعليم اللغات كليا دون أن ينفرد بها لأنها حقل تعاوني يحكمه مبدأ تضافر الاختصاصات، ونجاحه رهن بتفهم كل الأطراف للمبادئ التي تتحرك العملية طبقها"([14]). وانطلاقا من ذلك فإن إعداد هذه المقررات ينبغي أن يراعي الأهداف المطلوبة، وأن يستند إلى دراسات ميدانية للحاجات العملية لتلاميذ هذه المرحلة وكذا العثرات اللغوية والمشاكل التعبيرية التي يعانون منها. ذلك أن "تحديد الهدف من المقرر اللغوي يؤدي إلى تحديد المحتوى المنشود من الجوانب الخاصة ببنية اللغة وبالمعجم، ويؤدي أيضا إلى تحديد المهارات اللغوية المنشودة، ويؤدي كذلك إلى تحــديد الـطريقة المناسبة لتنمية هذه المهارات"([15]).
وفي هذا السياق فإن التلاميذ في هذه المرحلة يشكون من ضعف الأداء الصوتي والشفوي السليم للغة مما يستدعي مزيد العناية بهذا الجانب، لأن اللغة كما هو معلوم "ظاهرة صوتية منطوقة مسموعة" في المقام الأول،" ومن ثم ينبغي في تعليم اللغة الاهتمام بالتحدث باللغة وتقديم مهارتي الاستماع والتحدث على مهارتي القراءة والكتابة"([16]).
أما الشكوى من ضعف التلاميذ في التركيب اللغوي فينبغي أن يعتمد في معالجتها "النحو التربوي" الذي أشرنا إليه سابقا، حيث يستنبط النحو من أمثلة واضحة متنوعة تراعى أيضا في قطع القراءة "أما النحو النظري فيؤجل إلى مرحلة متقدمة، بعد أن يكون الطالب قد أتقن الاستخدام الصحيح والمنشود، فيكون تدريس قواعد النحو مجرد تنظير لأنماط يستخدمها الدارس"([17]).
كما ينبغي أن لا تقدم المعارف اللغوية معزولة عن سياقاتها التخاطبية بل تدرس من خلال منهج تواصلي تفاعلي يمكن التلميذ من امتلاك المهارات الاستعمالية للغة في مواقف مختلفة، ذلك أننا ـ كما قال بيث كوردر : "لا نهتم فقط بتعليم الطالب إنتاج كلمات مترابطة نحويا بطريقة مقبولة، بل بتعليمه استخدام اللغة لغرض ما، ليتخاطب بها ويتلقى مخاطبة بها، أي تعليمه أداء أدوار بعينها"([18]).
ولاشك أن إقدار التلميذ على امتلاك المهارات اللغوية الشفوية والكتابية سوف يمكنه من تفتيق قدراته الإبداعية وتفتيح إمكاناته التخييلية خصوصا إذا تم دعم ذلك بقراءات من النصوص الأدبية الرفيعة. سواء كانت هذه القراءات من التراث الخالد أو من الإبداع الحديث فإن التلميذ قادرعلى ولوج عوالمها، فكما قال المستشرق (كاشيا) P.j. Cachia "إن الفصحى هي مفتاح تلك الكنوز الضخمة من الماضي العريق، ثباتها لا يوازيه ثبات أي لغة، وفي الحاضر يستطيع الناشئ العربي في المرحلة الثانوية من تعليمه أن يَعبُرَ بها، إن كان قادرا وطموحا وبجهد قليل إلى السجل الكامل للألف والثلاثمائة عام الماضية، ويكون هذا السجل في متناوله"([19]).
كما أنه لا ينبغي أن نغفل عن النظرة التكاملية لمختلف جوانب هذا الموضوع بحيث يتكامل المنهج الدراسي مع طريقة التدريس مع تأهيل المدرس للوصول إلى نتيجة تربوية مثلى، فكما قال أحد الباحثين : "لا يؤدي تعليم اللغة نتائجه ما لم يحصل مواءمة بين المعلم والمنهج والكتاب والطريقة ودوافع الدارس للتعليم بحيث يستطيع أن يفهم المسموع ويفهم المقروء ويستطيع التعبير عن نفسه بكلام عربي سليم"([20]).
ولا يمكن لكل هذه الأمور أن تبلغ مداها وأن تؤتي أكلها إذا لم تتضافر جهود الجميع في المدرسة وفي البيت وفي وسائل الإعلام لدعم المستوى اللغوي للطالب وتمكينه من ممارسة مهاراته اللغوية وشحذها وتطويرها بما يعود بالنفع على التكوين العلمي والنماء الاقتصادي للبلاد. ولا شك أن مراجعة لمناهج تدريس اللغة العربية وبرامجها قد أصبحت ملحة في مختلف مراحل التعليم من الابتدائي إلى الجامعي. وفي هذا السبيل يجب أن تتكاثف جهود الجميع إذا أردنا أن نعيد إلى العربية سابق مجدها وأن نحفظ أجيال الأمة من الضياع اللغوي.
________________________________________
(*) كلية الآداب ـ مراكش.
(1) شكري فيصل : تحسين وسائل خدمة اللغة العربية في الوطن العربي، في : اللغة العربية والوعي القومي، ط 2، بيروت، 1986، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 402.
(2) نهاد الموسى : مقدمة في علم تعليم العربية، في: أشغال ندوة اللسانيات في خدمة اللغة العربية، نشر: الجامعة التونسية، سلسلة اللسانيات، عدد 5، سنة 1983، ص 152.
(3) أنظر: أحمد محمد المعتوق: الحصيلة اللغوية: سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت، عدد 212، سنة 1996، والفاسي الفهري : اكتساب اللغة العربية والتعليم اللغوي المتعدد، في مجلة : أبحاث لسانية، مجلد 4، عدد2-1 دجنبر1999 معهد الدراسات والأبحاث للتعريب الرباط ـ ص28 فما بعدها، ورضا السويسي: من المنطلقات اللسانية واللسانية النفسية في طرق تدريس العربية لأبنائها على مستوى الثانوي. في : اشغال ندوة اللسانيات، ص 180. والمصطفى بوشوك: تقويم الجانب اللغوي خلال تدريس مواد العربية بالتعليم الثانوي، في: مجلة الدراسات النفسية والتربوية، عدد 3-1983، ص 53 فما بعدها.
(4) محمود فهمي حجازي : البحث اللغوي ـ مكتبة غريب ـ القاهرة، ص 127 وأنظر أيضا : رمضان عبد التواب : فصول في فقه العربية ـ مكتبة الخانجي، 1983، ص 420.
(5) نفسه، ص 143.
(6) نفسه، ص 145.
(7) اللغة العربية ـ السنة الأولى الثانوية (الشعبة الأدبية)، وزارة التربية الوطنية، ط 2000، ص 143.
(8) نفسه، ص 159.
(9) نفسه، ص 159 والمثالان هما : حزنت بغداد ـ أحزن الخليفة بغداد.
(10) نفسه، ص 179 ويتعلق الأمر بالأمثلة الآتية.
ـ أد من المحب النظر إلى المحبوب.
ـ أد من النظر إلى المحبوب.
ـ أعجبني كلام ابن حزم.
ـ أعجبت بكلام ابن حزم.
(11) أحمد المعتوق: الحصيلة اللغوية، ص 159.
(12) نهاد الموسي : مرجع سابق، ص 150.
(13) عبد العلي الودغيري: حول الرصيد اللغوي الأساسي، ضمن: قضايا استعمال اللغة العربية في المغرب، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 1993، ص 172-173.
(14) عبد السلام المسدي: اللسانيات وأسسها المعرفية ـ الدار التونسية للنشر، 1986، ص 142.
(15) محمود فهمي حجازي: البحث اللغوي، ص 122.
(16) نفسه، ص 137.
(17) نفسه، ص 138.
(18) بيث كوردر: مدخل إلى اللغويات التطبيقية (الفصل2) ترجمة : جمال صبري، في : مجلة : اللسان العربي، مجلد 16، ج 1، سنة 1978، ص 207.
(19) نقلا عن : المعتوق : الحصيلة اللغوية، ص 170.
(20) أحمد حقي الحلي: اللغة العربية وطرائق تدريسها، ضمن: اللغة العربية والوعي القومي، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 371.
http://www.isesco.org.ma/arabe/publications/Langue_arabe/p14.php
12 OKTOBER 2010

Tidak ada komentar:

Poskan Komentar